عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

272

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

مركباتها . وهذا كما كان يفعل النحاة في نظم النحو وقواعده . عد إلى قصيدة الموصلي واقرأها ثانية ألا تجد نفسك أمام برنامج للأسرة يمدك بوصفة غذائية لذيذة « طريقة صنع السنبوسج » . لقد كان هذا الشعر حقا تصويرا لعصره وصورة حية لواقعه تعكس لنا ما أصاب أطعمة العرب في العصر العباسي من تعقيد في التركيب وتنوع في المواد الغذائية الداخلة في صنعها بحيث لا يمكن أن تحفظ إلا شعرا . والهليون الذي وصفه كشاجم جزء من الطبيعة الخضراء الجميلة ، قد أبدع الخالق صنعها ، فكساها ثوبا من السندس الأخضر مشربا بالحمرة المتّقدة . ونضدت عيدان الهليون على المائدة آخذة برقاب بعضها كما ينضد الزرد وكما ينسج العسجد أو كأنها نسج من الحرير أو فصوص من العقيق يجملها الجزر الأصفر في جوانب القصعة ويتلامع الزيت فوقها فيجلو لونها وتخاله العين شرابا من فضة أو من تبر قد انسكب . فلا يستطيع الناسك الناظر إليها أن يمسك صيامه بل يسجد للخالق الذي أبدعها ويفطر أمام إغرائها . إنها صورة غنية مترفة - استمد الشاعر صوره وتشبيهاته من قصور الخلفاء التي كان يتردد عليها ومما كان يتحلى به هؤلاء من فضة وذهب وأحجار كريمة . اذن لم يبرع العرب في صناعة هذه الأطعمة فقط في العصر العباسي وانما تفننوا أيضا في طريقة عرضها وتصفيفها في الصحون وتقديمها على الموائد بشكل يروق للعين ويرضي الذوق ويحرك الشهوة وهذا من أهم ما يجب أن يتوفر للطعام الصحي اللذيذ . وبذلك غدت الطباخة صناعة أولا وفنا ثانيا . وهذا أيضا ما يمكن أن يقال في صناعة « الأرزة » وتجويدها وطريقة تقديمها وصناعة « الهريسة » و « والمضيرة » و « الجوذابة » و « القطائف » . ويظهر أن القطائف كان أثيرا لديهم فخصه أغلب الشعراء بالوصف كما رأينا . وهكذا امتلأت دواوين الشعراء العباسيين بقصائد ومقطعات شتى في أوصاف الأطعمة وألوانها كما رأينا في ديوان ابن الرومي وفي شعر المأموني وما نقله المسعودي في الرواية السابقة . كذلك هناك فصول ومقالات وأبواب شتى في كتب الطب العربي القديم تبحث في علم الأطعمة والمزورات من فروع علم الطب . وتذكر أحيانا تراكيب